قراءة في رواية متمردة أنا
لـ د . أسماء رجب الطناني
بقلم / محمود الديدامونى
وإذ نتبنى مصطلح "الكتابة النسائية" نعتبر أن هذا المصطلح يقوم فقط بدور تصنيفي وإن كان بعض النقاد يعتبره غير محايد، فهو يمكننا من رصد خصوصيات هذه الكتابة وبالتالي وضع اليد على الخصائص المميزة له، والذي يشكل إضافة حقيقية للإبداع الإنساني بشكل عام، وهذا المصطلح لا ينفي صفة الإبداع عن أي أحد من الجنسين، ولكنه يؤكد بالخصوص على أن للمرأة الكاتبة تصورا مختلفا للمسكوت عنه بمقدار الفروق الفردية بين الجنسين، والطريقة الخاصة في التعبير، وعلى مستوى الجرأة في طرح بعض المواضيع ذات التضاريس المجروحة في كينونة عمقنا الثقافي، وأعتقد "أن اللبس الحاصل في رنين المصطلح والمفهوم " الكتابة النسائية" ، ماهو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى و الكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة" ، فالصيغة الأولى تركز على أهم خاصية لدى المرأة وهي الأنوثة، وتلخص المرأة في صفتها الجنسية ولا تجعل الدائرة تتجاوز الطرح المقتصر على الأنوثة والذكورة في بعدهما الطبيعي، أما بالنسبة للصيغة الثانية (المرأة والكتابة) فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي، باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع"(1).
منذ عدة شهور أهدتني القاصة أسماء رجب الطناني روايتها (متمردة أنا ) ، تلك الرواية التى تناولت هم المرأة العربية والشرقية بصفة عامة ، من خلال حياة سارة ، وحياة مماثلة لبنتها التى ولدتها أثناء غياب الزوج وعائلته أثناء سفرهما للكويت ، أنجبت دون علم الزوج ، حيث أخفت أم الزوج ذلك عنه ، ليهنأ بالحياة مع زوجته الأخرى ، والتى أنجبت هى الأخرى ولدا فى مثل سن المولودة لسارة ( سلمى ) ...يوضح الحوار بداية الحدث فى الرواية "
لم تكن سارة تدري لماذا تريد العجوز أن تعرف كل شيء بهذه اللهفة لكنها استمرت في سرد حكايتها.
- كان سعيد ضعيف الشخصية أمام والدته حاول أن يقف أمامها كثيراً و لكن بضعف حتى قالت كلمتها النهائية: " إذا لم تتزوج من مسعودة فلن تكون ابني ولا أعرفك مدي الحياة".
- مسعودة من؟
- فتاة عادية ابنة للجيران لم تكن أقل شراً ولا كيداً من خالتي، ورضخ سعيد لطلب أمه، وافقت علي أن أحيا زوجة ثانية بعد سيادة مسعودة علي كل الأمور لكن هذا أيضاً لم يشأ لي القدر أن أحصل عليه فقد طلبت مسعودة منه أن يطلقني بحجة أنها لن تستطيع العيش مع ضرة في بيت واحد و أيضاً استسلم سعيد لطلبها و مرت الأيام ثم قرروا السفر خارج البلاد و اختاروا دولة الكويت للعيش هناك و سافر الجميع و تركني سعيد كأني لم أكن يوماً زوجته لم يعطني حتى كلمة وداع، لقد أغراه المال و تلك الأنثى الأفعى و علي رأس كل هذا خالتي التي لم أتوقع منها ذلك. " . ( 2 )
ذلك يدفعنا إلى طبيعة الكتابة النسوية أو إلى إشكالية الأدب النسائي التى سبق الإشارة إليها ، من حيث التناول والموضوعات ، طبيعة ما تكتبه ، هل هى تقدم تجربتها دون قيد ، أم أنها تنطلق معبرة عن قضاياها من خلال توليفة اجتماعية هى أحد عناصرها ، بمعنى المرأة من خلال شبكة العلاقات ، رغم وجود كاتبات تمردن على المجتمع ، ورحن يكتبن بانفتاح كامل دون محددات ، إلا أن هناك مجموعة أخرى ما زلن يدركن مفهوم الكتابة ، وتوظيف كل شيء داخل العمل المنتج ، بما يسهم فى بناء النص ، وليس دخيلا عليه ، لكن هناك عقبة تقف دون انطلاق المرأة تتعلق بثقافة المجتمع ، فيقول البعض : " إن المرأة لا تعيش حياتها بحرية فكيف نطلب منها أن تكتب بحرية. والمشكلة هو ظاهرة إسقاط النص على كاتبته إذ يظنها المجتمع بأنها تكتب تجربتها أو ما تريد فعله وبالتالي فأنها تنطلق من منطلقات شخصية بمعنى أنها عندما تكتب شيئاً يظنونها هي التي تريد تتحدى النظام الأبوي أو تخرج على المجتمع وغيرها من الأفكار التي يتم إسقاطها على صاحبة النص. "
لن أخوض طويلا فى ذلك ، فالرواية التى كتبتها د/ أسماء الطنانى بعنوان " متمردة أنا " ذلك التمرد على العادات والتقاليد البالية ، الذي لا يمس أيضا كرامتها ، إنه التمرد على كل المعوقات التى وقفت زمنا طويلا فى وجهها للتعبير عن رأيها ، وكذلك فيما يتعلق بالظلم الاجتماعي الذى عانت منه ،ولنقرأ هذه الفقرة من الرواية لندرك سويا قدرة الكاتبة على خلق شخصية مكافحة " من ذوى الاحتياجات الخاصة "التى تتمرد على الإعاقة وتصبح دكتورة ، وتتخطى حدود الإعاقة البدنية ، متمردة على الإعاقة النفسية والاجتماعية التى ظلت المرأة تعانى منها حتى الآن بالرغم من مساحات الحرية الشاسعة التى حصلت عليها المراة العربية .."
بمعطيات الكون وبالمنظورالشرقي كانت سلمي قد دخلت في مملكة العنوسة التي لا يسمح المجتمع فيها أن تعيش الأنثى حياةً آمنة، حتماً سوف تسقط عليها صواريخ الأسئلة التي أكثرها سؤال، لماذا لم تتزوجي بعد؟، و سوف يضاف اتهاماً جديداً مع اتهامها الأول بالإعاقة، ستصبح معاقة و عانس في نفس الوقت، أية محاكم في المجتمع سوف تحكم في هاتين القضيتين؟، حتماً سيفشل القاضي في وضع أي حكم سوي الإعدام رمياً بالقهر و الذل.
يراها المجتمع إنسان غير متكافئ معه، متمردة و هذا متعارض علي ما هي فيه، يحاول أن يلفظها خارج حدود الحياة لكنه لا يستطيع أمام ما تفعل، لقد نجحت محاولاته مع الكثير من البشر قبلها في الاستسلام له و لقوانينه كلها دون اعتراض، فاستسلم كل صاحب إعاقة لليأس و طلب الموت، و كل صاحب تمرد بالتوقف علي تمرده إلا سلمي التي ضربت نموذجاً للصبر الجميل علي الابتلاء. "
الرواية تستحق أن نشيد بالكاتبة الشابة ، لأنها تقدم رؤية جيدة ، وتقدم شخصياتها بطزاجة ، وتقدم المكان بصورة معبرة سواء كان المكان بمعناه الضيق المحدود او بمعناه الواسع الرحب الذي لا تحده حدود ... فضاء النفس ، فقط ما كان يجب على الكاتبة تداركه ، هو البعد عن بعض العبارات التقليدية التى لو ابتعدت عن استخدامها لكانت الرواية أكثر تكثيفا وجمالا .
تقديري العميق للكاتبة وأمنياتي لها بدوام التوفيق على طريق الإبداع الجميل
كتبها محمود الديدامونى في 07:28 مساءً ::
الاسم: محمود الديدامونى
