حصــار
رمقنى بنظراته الساخرة .. أحسست بالعجز .. تركت المكان مصراً على التوقف.. فعلت.. لم تتغير نظراته .. ازداد احساسى بالعجز .. انسحبت إلى نفسى .. قررت مواجهتة..سالتة:
- أجاهزأنت؟
- نعم !
- أأنتهى ؟
- نعم !
- لاأريد احراجاً
- توكل على الله !
عاودت البحث .. كلما وقعت عيناى على مايناسبنى أخبره .. يوافق دائماً .. اتخذ إجراءاتى .. تبوء كلها بالفشل .. أعود إليه أخبره بماكان .. تتعالى ضحكاته .. يتخللها : أحسست أن ذلك سيحدث .. ثم ما يلبث أن يرمقنى بنظراته الساخره ..
رغم إحساسى المرير الذى دفعنى لتقديم بعض التنازلات .. لم أتوان فى البحث .. لم يتغير الأمر .. صارت داخلى التساؤلات والهواجس .. ألهذا الحد ؟ هل العيب فى حقاً ؟ لابد من وقفه .. لابد .. اهتديت إلى الفكرة " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان " لم اخبر أحداً .. تحركت .. تقدمت .. شعرت لأول مرة بالسعادةعندما رحب بى الرجل .. لكنه يحتاج بعض الوقت للرد النهائى .. خرجت أحلق فى الفضاء .. أحسست به رحباً .. وصلت إلى البيت متأخراً وجدته ينتظرنى .. لم تخف عيناى سعادتى.. أحسست فى عينيه شيئاً .. تغاضيت .. راوغنى فى الحديث .. راوغته .. انسحبت إلى النوم .. انتظرت خيط الفجر على مضض .. وعندما أقبل الصباح أخذت أبحث عن أنفاسه فى المكان فلم أجد له أثراً .
تأهبت لمعرفة الرد ..بينما أقترب من المكان المقصود أشم رائحة أنفاسه تملأ المكان .. رجعت وقد تملكنى العجز !
درت فى دائرتى المفرغة .. أفتش عن رفيقتى .. وكلما كانت لحظة اللقاء .. كان الوداع .. لم أفطن لسطوة الوداع إلا مؤخراً .. انكفأت على قراءة عقلى .. وجدته مشتتاً.. تفصل بين أجزائى شقوق .. كأنها الأنهار الجافة .. حاولت ردم الشقوق.. كلما زادت محاولاتى اتسعت الشقوق .. ومع كل محاولة أشعر بالعجز !
قوة داخلية تدفعنى للمقاومة .. تصرخ فى .. كرر المحاولة .. تصل المسافةبين الأجزاء مداها .. أدقق النظر .. أجد الأجزاء مربوطة إلى خيط يشدها .. تزداد الشقوق عمقاً واتساعاً ..أستمر فى محاولاتى .. الخيوط لم تعد تحتمل لكنها مازالت متماسكة .. أتحسس ممسك طرف الخيط الآخر .. غير محدد المعالم .. شئ يدفعنى لمعرفته .. أقرر الانتهاء من الأمر برمته .. لكن كيف ؟ ثمة صراع داخلى يقتلنى .. شئ ما دفعنى للخروج .. تحدثت .. بدأت الخيوط تتمزق شيئاً فشيئاً .. أحسست حطاماً زلزل أركانى لم أفق منه حتى رجعت بها ممسكة بيدى ترتدى فستانها الأبيض الشفاف المزركش .. درت أبحث فى أنحاء الدار لأخبره بما كان .. تحسست رائحتة .. تلاشت .. لم يعد لها أثر .. فتحت باب الدار .. تراءى لى على البعد شبحاً يحاول اقتحام أحد البيوت !
سرب عرضى
الجو الملتهب ، جعله لأول مره ينسحب إلى البحر يلقى خلفه الأدوية المهدئة ، انطلق مغادراً مظلته المهترئة ، تحدث مع صاحب المظلات ، استسلم لظرفه ، أبدله غيرها لائقة ، تحايل المالك فى اقتناص لحظات الفكاهة معه .. أخذ منه كل ماأراده سوى ..
كان يتابعه ، يتحين لحظات فراغه ،وجده يحملق فى فضاء البحر ، انسحب إلى عمله .. مازال صاحبه الجديد مشتت النظرات فتارة ينظر إلى الشاطئ فى حالة كر وفر ، تتشابه الوجوه ، الأجساد متلاحمة ، شبه عارية ، يتسابقون ، البهجة الباهتة تعلو الوجوه ، مص شفتيه ، راح يبوح .. يتساءل أليس من حقنا أن نغضب ؟ ثم متهكماً .. كلا .. فهم على صواب دائماً .. دائماً..
كان أصبعه الكبير بقدمه اليسرى ، ينخر بعصبية فى الشاطئ متفاعلاً مع هيجانه وثورته، عاود النظر إلى الوجوه ، استوقفه وجه شاحب لامرأة تنظر بعينين مرجوجتين فى كل الاتجاهات ولاتثبتان على شئ ، تستنجد بمسئول أمن الشاطئ .. طمأنها ، وعدها بالمساعدة ، انصرفت وعيناها تلتحفان بالأمل بينما أخرج الشرطى لسانه قائلاً : كل واحد يخلى باله من عياله 0
ازدادت عصبية قدمه اليسرى ، وراحت تنخر بشدة ، التفت حوله ، تزايد عدد الواقفين بجواره ، حملق فى البحر ، وراح يتقدمهم .. متمتماً .. حتى التوقيع على أوراق وجودى لم يعد مجدٍ ، عذراً ياأمى .. أعلم أنك تتمزقين من داخلك .. كما أتمزق .. سأقاوم ، هذا حقى .. لن أتركه ، ولكن ماحيلتى ؟ الهجرة.. نعم الهجرة .. سأهاجر ، على الرغم من رفضك .. سامحينى .. هناك لن أكون وحدى 00 سيكون معى صابر وصبرى وغريب.. تعرفينهم 0
عاود النظر خلفه .. الشاطئ يتلاشى ، يحجبه سرب عرضى ينخر خلفه ، أسرع ينخر بقدميه يشيح بوجهه يمنة ويسرة .. مازال يتمتم .. المهدئات .. نظر إلى الوراء ..السرب العرضى يقترب ، نظر إلى قرص الشمس عندما داعب موج البحر ، يمتزج به .. يتلاشى معه ويمتزج به بينما كانت صافرات الإنذار قد ملأت فضاء الشاطئ الخالى تماماً إلا من رجال الإنقاذ
شتلات
الريح تدفع ببطء بوابات السكون ، حيث أتوارى خلفها ، وفى عقلى تنام شتلات الأيام الباردة ، تنمو داخلى عندما تشتد الريح ، تتماس والبوابات فى هدوء ، تلتصق بها ، تدفعها ، تحكم غلقها ، فأعود إلى سابق عهدى 0
الريح تلهو ، يتعالى صوتها ، يصفح وجه البوابات ، يتسلل إلى أذنى ، ينتزعنى من سكونى أدس قطعة القطن فى أذنى وأعاود كهفى 0
لم يكن أبى أقل إعراضاً منى فى التعامل مع الريح ، كلماته تنمو داخلى ، تروى شتلاتى تتشابك ، تحدث ظلاً يراوغ أطماع الريح 0
لقد زرع أبى داخل عقلى كل مازرعه جدى فى عقله ، الأشجار تكاثفت وتلاحمت وتكاتفت فى وجه الريح 0
الريح تقترب من العاصفة .. تنتزع بعض النوافذ ، تهاجم نافذتى .. تحدث ضجيجاً ، تنتاب عقلى نوبه هيستيرية .. تتسلل العاصفة إلى أذنى .. تلفحهما .. أتحسس جبهتى ، مشتعلة ، تطال شتلاتى ، تشتعل الأيام الباردة فى عقلى ، أقاومها وسط العاصفة يرمقنى أبى ، يقفز نحوى .. تدفعه بعنف .. يحاول جذبى .. هذه المره كانت قاسية .. مددت إليه يدى لأجذبه .. تشابكت الأيدى .. علم مقصدى.. نهرنى محاولاً جذبى .. رفضت العودة مندمجاً وسط العاصفة ، نظر خلفه .. بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة متراجعاً عن صيرورة جذبى 0
ليتك
دخل مثقلاً بالتعب ، لم يكترث بشئ ، عمد إلى غرفة نومه الفوضوية ، خلع حذاءه ، رمى شطره فى جهة والأخر فى جهة أخرى ، فك قميصه ، استلقى على ظهره ، فوق سريره المتواضع أغمض عينيه ، تاهت منهما ذكرى يومه ، داعبهما النعاس ، تهادت إليهما أطياف لم يعرفها ، ارتسمت على وجهه ابتسامة ، استعذب الأطياف ، بدا وكأنه يحلق بجناحيه يتنقل بين أغصان الرياض يستنشق عبيره .. استشعرها الجنة 0
- نعم هى الجنة
اتسعت ابتسامته ، اكتسبت صوتاً ، سمع صداه ، حدث نفسه: دعك من هذا الصوت .. امرحى فى جنتك ، وصل الصوت حد القهقهة ، تساءل وهل بالجنة صخب ؟
تناسى ، تعالت الضحكات ، لام نفسه وعنفها وحذرها .
عاود النوم ليستكمل تحليقه ، غط فى نومه ، تداعت هذه المره أشباح تتلكأ أمام عينيه ، تصارعه ، تحاول معه بطريقة غير معقولة 0
حاول مرة بعد مرة والصرخة تختنق ، تعاطفت معه دمعة تبعتها دمعات لسعت وجنتيه ، قفز باحثاً عن نفسه ، سألها أين كنت ؟ أين صرخاتك كما كانت قهقهاتك ؟
أجابت : ألم تطلب بأن أكون حذره ؟ ألا أتعجل ، نعم لقد رأيتك .. لكننى تريثت فلعل مارأيت يمثل لك شيئاً 0
ملاحقـة
لم يكن الأمر سهلاً ، عندما قررت ملاحقتها ، الأعين هنا وهناك لم تكف عن ملاحقتى ، يقرأون فى عينى كل عبارات الشوق والوجد ، انتشى لرؤيتها ، أغمض عينى عليها ، أشعر بسخونة تلسع قلبى ، وأروح فى غيبوبة عميقة 0
فطن أبى إلى خطورة الموقف ، تحرك سريعاً ،دلك جبهتى وأطرافى أفقت إليها ، كانت الغمامة قد استحكمت من وجهها ، انتفضت دافعاً يديه بعيداً .. الغمامات تنفرج وهى الأخرى ترتفع فى السماء .. وأنا مازلت واقفاً على الأرض شاخصاً.
لم أشعر بالوقت .. فقط أشعر بحركة المكان ، تسرب الحزن إلى أعماقى حين علمت المسافة بين السماء والأرض ، طاحونة الأفكار تحاول توفيق لقاء بينهما0
الناس يعتبرونها من المستحيلات .. دائماً يقولون : لما تنطبق السماء على الأرض .. أعاود النظر إليها .. تصهرنى .. أتوارى خلف نسيم الرغبة وأبى على البعد يجتث جذورها.. أشعر بها رغم المسافة ، تصرخ .. تشتعل ، تكوى الجباه .. وتلفح الوجوه تقاوم بشدة .. ترمقنى بنظراتها الحانية أستمد قوتى منها وأصمد، تدنو شيئاً فشيئا ، أسعى إليها بكل قوة , عين أبى والأعين الأخرى يترقبون .. بدأت أشعر بالوقت .. أتقدم بينما تدنو.. تهبط خلف حديقة الباشا قطعا حمراء متناثرة ، أحتضنتها بقوة ، أحاول تضميد جراحها المتفتحة ، تمسح على رأسى .. تذوب سريعاً ، تندمج فى رحم الأرض 0
حمى الطريق
عندما انتصف الليل ألقيت أخر زفرة حزينة فى النيل ، وعدت إلى الفندق حاملاً معى حلماً مبللاً برحيق الحياة ، الليل فى هذه المدينة مثير حقاً .. تلك الخطوات التى قطعتها إلى الفندق تموج بالحركة والهسهسات ، الثنائيات هى الطابع المميز .
لم أنشغل كثيراً ، وكيف ذلك ، والنوم يراوغنى بقوة .. بعد يوم طويل احتضننى السرير ، تركت نفسى للنوم- لم أستطع .
حاولت الخروج من ملابسى لم أستطع .. أغمضت عينى ورحت أعانق ليل النيل 0
أفقت على دقات رقيقة جاءت من ناحية الباب ، عدلت من هيئتى .. من ؟
أنا ..
صوت نسائى يغزو أذنى ..
من أنت ؟
رفيقة الحجرة ..
بل هو رفيق ياسيدتى ..
بل أنا ..
إن رفيقى علمت أنه يدعى عصمت ماهر ..
وأنا عصمت ماهر – افتح قالتها ( بحزم ) ..
أصابنى الارتباك ، فتحت لها ، أخذت طريقها إلى السرير الآخر0
قالت وبحزم أيضاً : أتمنى أن يكون الحمَّام خالياً 0
أومأت لها – فلا تزال الدهشة تسيطر على ملامحى ، دارت التساؤلات أركان عقلى المبعثر ، كيف ذلك ؟
ابتسمت قليلاً تذكرت فيلماً حوى نفس الموقف 0
قطعت كلمات أمى هذه اللحظة : إياك من بنات مصر ضحكت بمرارة : آه لورأتهن أمى هل كانت تقول ذلك ؟
الصوت الرقيق يغازل قطرات الماء .. أتسمع مندهشاً – أعطيتها ظهرى وهى خارجة من الحمام 0
قالت فى جرأة : أما زلت عند هذه النقطة ؟
أية نقطة ؟
الرجل والمرأة تلك العلاقة المحسوبة بينهما ..
هذا مايجب أن يكون
هذا منطق شهوانى بحت
لب العلاقة بين الرجل والمرأة هو الشهوة
أعتقد أن مثقفاً مثلك يجب أن يكون قد تعدى هذه المرحلة 0
القضية محسومة منذ القدم ، وليس من اليوم .. كما أنها لاتستوجب مراحل للتفكير
راديكالى
ياسيدتى إن خير دليل على ذلك يبدأ عند قابيل وهابيل وأختيهما
هذا أمر يتعلق بكم أيها الرجال
كيف والغواية عندكن ؟
المرأة سكن وأساس العلاقة هى المودة والرحمة
هذه علاقة الأزواج
وقد أغتصبت الزوج حق زوجته
لعنة الله على تلك الأفواه المغرضة
لم تحيى إلا الذى أمتموه
أصبحت تحيى وتميت .. أعوذ بالله .. أعوذ بالله لاتحوِّر حديثى لما ليس له 0
التفت إليها مغتاظاً .. وقبل أن أطلق كلمتى فى فضاء الحجرة تعلقت عيناى بوجهها الذى عانق البدر .. ظللت مشدوها .. مشدوداً إليه خرجت كلمتى متقطعة ...... وال.... خل .. وة0
أحسست بدوار شديد فى رأسى .. جسدى يلتهب ، تتنفض عروقى .. تتبدل ملامح وجهى .. تحركت نحوى بانسيابية الغزال ، ازددت اشتعالاً مدت يدها إلى حقيبتها ، أخرجت شريطاً ناولتنى حبه منه ، قادتنى إلى سريرى أحسست بارتجافة جسدى لفتنى فى بطانية ثقيلة .. أخذنى النوم 0
خرجنا نشق الطريق إلى النيل ، وفى غفلة منها رمقت زفرتى التى أخذها النيل كانت قد غابت بين براثن الشبورة البيضاء .
أطلقت نفسى للحياة .. استوقفنى ذلك الواقف يراقب فى نهم استقبال الطريق لثنائى جديد ، فيلقى بزفرته ويمد الخطى متجهاً نحو الفندق 0
الصفصافة
عندما اتخذت قرارك ، ساعتها فقط ، أحسست بدوار رهيب يلف رأسى وبأن سياجاً حديدياً ألقيته حول جسدى ، لم أفهم لماذا اتخذت هذا القرار ، سنوات مضت ، وكلماتك لاتفارقنى .. علمتنى أن الحياة ماهى إلا عاشق ومعشوق غذيتنى من شهد ثغرك ، فصرت أحلق معك نحو سحب الخيال .. أدركت أن الحياة لم تعد لتعطينى ظهرها ..
كنا نسافر سوياً فى ظلام الليل نبدد حلكته ونستضيف البدر ليشهد عرسنا .. تحتوينى كل ليلة بين ذراعيك .. أنام على صدرك ، .. هناك .. حيث ينقطع الطريق ، .. لم أشعر بالأمن إلا فى رحابك ، ولم تشعر بالسعادة إلا عندما أقبل ، .. نعم .. كنت أحس بارتعاشة جسدك النحيل وأقرأ فى عينيك عبارات الوجد 0
لحظاتك الساكنة فقط هى التى كانت تثير اهتمامى ، كنت تعيدنى بها إلى عالمى الكئيب .. أنت تعرفه جيداً .. لم أكن لأشك فيك ، لم أشأ لأقتحم لحظاتك .. سوف تخبرنى .. نعم .. فأنا لا أخف شيئاً عنك 0
صفصافة نعمات كانت شاهداً على ميلادك فى روحى .. أتذكر ذلك اليوم .. كنت قد قررت الهروب من طغيان زوجة أبى .. لم أستطع تحملها أكثر من ذلك .. كنت أنت هناك تصطاد فى مياه الترع .. لم ألتفت إليك .. بينما خرجت تحمل بعض السمك .. القيته بين يدى .. رفعت طرف عينى إليك مستنكرة ..
ابتسمت ، ثم أطلقت كلمة كأنك تقرأ ما بداخلى : لاشئ فى هذه يستحق الحزن هيا .. هيا .. ادع لى ..
ساعتها أدركت أننى إذا هربت سأخسرك .. فعدت أتحمل لسان زوجة أبى الذى تعودته ..
كنت مجنوناً وأنا أطيعك .. واعدتنى فى كل أوقات اليوم.. ساعة بساعة حتى فى ساعات الليل المتأخرة وقبيل الفجر ووقت الفجر .. كنت تريد أن يكون الزمان شاهداً علينا .. لكنك تقيدت بمكان واحد .. هناك حيث ينقطع الطريق تحت صفصافة نعمات .. كنت تحبها مثلى .. كانت فروعها تتدلى خضراء تنبض بالحياة ، يسمونها صفصافة شعر البنات .. تتموج مع الريح تعزف نغمات فريدة .. كانت ألحانها تستثيرنا .. فنغنى ونطلق أغنياتنا للريح ، ترددها العصافير وأسراب الحمام وفراخ الغيط .
أذهب كل يوم إلى نفس المكان .. أشعر باختلاف كبير ، لايقلل منه إلا تلك الذكريات .. تتناوب على عقلى لحظاتنا ، .. أحس بمرارة تلف حلقى .. أذويها داخلى وأعود ..
لم يعد المكان يثيرنى .. يتساوى الليل والنهار فى عينى كلاهما .. يمر بطيئاً ثقيلاً .. جاراتى يتناوبن على زيارتى .. يثرثرن فى كل شئ .. أشعر بالحسد يمرح فى عيونهن .. أبتسم رغماً منى .. وأعطيهن أذنى .. أكاد لا أفهم شيئاً مما يقلن .. فقط أعطيهن أذنى وأمارس شرودى ..
الآن وبعد كل تلك السنوات .. تشوهت الذكريات .. ماعادت تكفى .. كلما أرسلت لى شيكاً .. تختلط الذكريات ، وأحس بأننى مازلت فى دائرتك أمضغ ألامى وتحملنى قدماى إلى صفصفاتنا العتيقة .. نعم .. أصبحت عتيقة .. ضرب السوس جذعها المائل .. حاولت تثبيتها على قائم .. أعتقد أنه لن يتحمل كثيراً.. فقط .. كل مايربطنى بك منذ قرارك تلك الوريقات ..
عندما تفكر فى العودة ستجدها معلقة هناك فى أعلى شجرة الصفصاف , عد بسرعة فقد سمعت أنها على وشك الرحيل ..
وعندما تعود لاتحاول البحث عنى فهذه المرة قد صممت على قرارى .. ولم تعد لشجرة الصفصاف ظل 0
ليست كغيرها
( 1 )
كالعادة أصحو مرغماً ، ألوك لقمة فى فمى وأخرج حيث يريد أبى .. لاأفهم شيئاً مما أفعل .. لكن أبى يقول أننى أفضل من أقرانى .. تمر الكلمة باردة على أذنى وأمارس خضوعى .. يزجرنى عندما يجدنى ممسكاً بسيجارة فى يدى وتكاد شفتى تأكلها أكلاً .. أنظر إليه وأنسحب مبتعداً أنفث دخانها فى فضاء حجرتى العفنة تستحيل سحباً أتمدد فوق سريرى الضيق ناظراً إلى لفائف الدخان التى صنعتها .. أتخدر وأنام .. أصحو على همسات المارة .. أنسحب خارجاً من غرفتى .. يصطدم صوت الشيشة بأذنى خارجاً من حجرة أبى، أخرج فى هدوء أطلق جسدى فى فضاء الليل أمرر شريط حياتى فى حيز البدر الذى كساه ، ..
كنت أنت الملاذ الذى ألجأ إليه دائماً .. أثرثر له ، أشعر بالحياة عندما أجدك منصتاً .. أحاكيك ساعة أو ساعتين .. لاتمل حديثى .. لست كأبى ..
كالعادة لايقطع علينا لحظتنا سوى صوت القارئ قبيل الفجر ، أسرع بالعودة ، أدخل كلص محترف وأدس جسدى تحت الغطاء أنتظر نداء أبى الصاخب ..
( 2 )
سنوات مضت وأنا لازلت عاجزاً عن معرفة النقود ، أعتمد فى ذلك على أخى الصغير الذى يمدنى بالسجائر ، أشعر أنه يبتزنى .. لكننى أحتاجه .. أخضع لطلباته .. أشعر بالسعادة عندما أمره بإحضار سجائرى .. يمد يده إلى وفى عينيه يسكن مكر خبيث .. لاأهتم .. وأظل فى سعادتى .. سرعان ما تمتد يد أبى آخذة كل شئ .. أستوقفه .. يربت على كتفى .. يعطى أخى بعض النقود ويدس الآخر فى جيبه ويخرج مبتسماً يتطاير الغضب من عينى أخى وأظل أنا فى سعادتى..
( 3 )
لابد أننى خضعت لكل أوامر أبى حتى يكلفنى بكل تلك الأعمال دون أقرانى أدرك تماماً أننى أتقن عملى .. أصحو مرغماً .. ألوك لقمة فى فمى ، أسحب بقراتى وأظل بالحقل حتى غروب الشمس ، ألفت أصوات الحيوانات هى الوحيدة التى تخضع لأوامرى .. لا إنها كأخى .. بينهما تشابه كبير كلاهما يبتزنى ليطيعنى ..
أنا الوحيد فى هذا البيت الذى يخضع دون أن يبتز أحداً .. لماذا أنا غيرهم ؟ يبدو أننى كما يقولون ……
( 4 )
عندما أنظر إليك تأخذنى بعيداً جداً ، أستلهم منك الحلول .. أنصت إلى عينيك .. أقرأ فيهما كل شئ .. صرت تعرف عنى كل شئ ، وصرت أنا الآخر أقرأ فى عينيك كل شئ .. نعم .. أقرأ .. فلست أمياً كما يزعم أبى ..
( 5 )
الليلة ليست كغيرها ، لن أخضع هذه المرة لأوامر أبى ، لابد أن أذهب إلى المولد تمردت على أبى ، صفعنى ، لم أهتم ، ضربنى بقوة ، صممت على الخروج هرول خلفى .. كنت قد أطلقت جسدى مع الريح ..
نظرت إليك ، لم أعهدك بهذا الشحوب قبلاً ، أخذتك معى إلى المولد ، لم يتغير لونك ، إنما تزداد شحوباً .. أقرأ فى عينيك هموماً ثقيلة ..
أشعر أنك لم تعد تستطيع الإنصات .. هيا تحدث .. انفض عنك همومك وأنا سأنصت إليك .. لاتهتم فالمولد ، ليس لى به طاقة .. أنت تعرف أننى تمردت على الأوامر فقط ، .. عذراً ياصديقى فقد تعودت الحديث إليك .. هيا .. تحدث .. أنا أسمعك ..
يبدو أنها " الحمى " .. لاتتحرك .. سأنقذك ياصديقى مما أنت فيه .. أمسكت غطاءين للأوانى فى كلتا يدى ورحت أخبطهما ببعضهما قائلاً فى جميع أرجاء المولد .. ياسيدنا عمر .. فك خنقة القمر
ياسيدنا عمر .. فك خنقة القمر
كتبها محمود الديدامونى في 04:07 مساءً ::
الاسم: محمود الديدامونى
