دردشة
عطر الفضفضة

الأحد,نيسان 29, 2007


اِجـــــذِبْ زِنــــادَ الصَّخــــر

* شعر: هــلال الفــارع
فى قصيدة تنطلق من ذات مكلومة ، طوف بنا الشاعر هلال الفارع نحو عالم قد يقع فريسة بين التردد والانتظار ، أبدا هو لا يتحدث عن المتخاذلين ، بل يعبر فوق أفعالهم ، ويعريها للمتلقى الذى يجده قادرا على الفعل والتغيير ، رغم أن الأمر كله يمر عبر المذبحة ، فلا فكاك ولا فرار ، كل الطرق كما يقولون تؤدي إلى روما ... فلماذا العجب ؟ سؤال استنكارى يطرحه الشاعر فى استهلال بديع يبدأ به النص الشعري ، ويوضح ويقر بأن ذلك كله لقضاء المصلحة ، تلك المصلحة التي لا تفيد من قريب أو من بعيد ذلك المخاطب الغارق فى الدم واللحم يدفع الثمن من راحته واستقراره ، وعرضه وأرضه التي هي كيانه كله ، إنما المصلحة لأولئك الذين يريدون الاحتفاظ بتيجانهم وكراسيهم ، العرب بلا استثناء جميعا يقعون فى هذا الفخ ، أطلق الشاعر تعبيرا رائعا على تيجان هؤلاء ( جباه الصمت ) ليؤكد أن الحق بهذه الطريقة الصامتة يموت موتا إكلينيكيا بأيدينا وبصمتنا ، لا يهم .... هم حفنة لا يجب أن نعتد بهم ، ما داموا صامتين ،

كُلُّ الدُّرُوبِ تَمُرُّ عَبْرَ المذبَحَهْ
فيمَ العَجَبْ؟!
هذا قَضاءُ المصْلَحَهْ
لِتَظَلَّ تَلْمَعُ في جِباهِ الصَّمتِ
تِيجانُ العَرَبْ
هذا زَمانُ المصلَحَهْ
قاتِلْ إِذًا.. قاتِلْ
بِكُلِّ الأَسْلِحَهْ
وَبِما تَيَسَّرَ مِنْ غَضَبْ
وَدَعِ العَتَبْ

هذا ما يريده الشاعر للتحرك ، القتال بكل الأسلحة ، وبالتأكيد لم يقف الشاعر عن حد السلاح المادي للقتال، فوضع كلمة لا يبدعها إلا من خبر التجربة وعاشها بكيانه ، عندما قال الشاعر
( وبما تيسر من غضب ) إنه يبحث عن الوازع النفسي الذى يحرك الطاقة البشرية القادرة، والتى ببعض الغضب تهب لفك قيدها ... فقط ما تيسر من غضب ، ولا تلتفت للعتب والملام؟ فمن تعاتب ؟ استنكار بديع
إِنَّ الرَّصَاصَ يَئِنُّ في أَغلالِهِ،
في أَسْرِ أَصحابِ الرُّتَبْ

وهنا أيضا يؤكد الشاعر فى تركيز عال على أن العسكريين ، الذين هم يرتدون الزي العسكري لم يعد الشعب فى حاجة إليهم ، ما دامت الرصاصات حبيسة أدراجها ، تئن فى أغلالها ، فقط تئن وهم لا يتحركون لأنينها ، غير قادرين على فك أسرها ، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل هم الذين يقفون عائقا أمامها ، هم الذين يكبلونها ، ما أجمل هذا التعبير
شاعر يدرك قيمة الكلمة ويضعها فى أماكنها الصحيحة
قاتِلْ بِما مَلَكَتْ يَمينُكَ،
لا يُخَبِّئُ غَيْبُكَ المرسومُ
غيرَ الأَضْرِحَهْ
يا مِنْ تُدافِعُ عَنْ جميعِ الأَجْنِحَهْ:
إِنَّ البِلادَ لِمَنْ غَلَبْ
فاجْذِبْ زِنادَ الصَّخْرِ،

هو يسثير القلوب التى أشعلت انتفاضة الحجارة ، ليس الأمر تعاطفا بل فعلا وتحركا ، مؤكدا على قيمة العمل .... هو الأمل بالطبع.. هو الأمل الذى يجب ان يظل الشعب المضطهد ملتحفا به .. لأنه صاحب الحق ، والفعل بلا امل بالتأكيد يصبح بلا جدوى ،
هذا النَّصْرُ لاحَ على المَشَارِفِ واقتَرَبْ
واضْرِبْ..
ولو أنَّ الحَصاةَ بِكَوْمَتَيْنِ مِنََ الذَّهَبْ
هى الأرض لا تقدر بمال ، يذكر الشاعر أولاد الانتفاضة والباحثين عن الحرية ان الأرض لا تقدر بمال حتى لو ان " ولو أنَّ الحَصاةَ بِكَوْمَتَيْنِ مِنََ الذَّهَبْ"
سَنَبيعُ أَمجادًا وَرِثْناها على سِنَةِ العَصَبْ
سنبيعُ شالاتِ القَصَبْ
سَنبيعُ أَنفُسَنا..
وَنَبْتاعُ الحِجارَةَ والغَضَبْ
فاجْذِبْ زِنادَ الصَّخْرِ .. لا كانَ التَّعَبْ
حتَّى تُوَحِّدَ بالمَقاليعِ الجليلَ..
وخانَ يونُسَ.. والنَّقَبْ!
بذلك وبذلك فقط تصبح الأمة واحدة
كُلُّ الدُّروبِ تَمُرُّ في عُنُقِ الزُّجاجَةِ واللَّهَبْ
قاتِلْ إِذًا..قاتِلْ
فَأَنْتَ المُرْتَقَبْ
واضْغَطْ خَلاياكَ العَظيمَةَ كي تَمُرَّ مِنَ الزُّجاجْ
هذا زَمانُ الإنْفِراجْ
هذا زَمانُكَ..
فاغْتَنِمْهُ بِكُلِّ أَشكالِ الإِثارَهْ
وارفَعْ حِصارَكَ،
ليسَ أَهلاً للحياةِ مَنِ ارْتَضى يَومًا حِصارَهْ
ما اجمل هذا المقطع من القصيدة ولقد قرأت تحليلا بارعا للشاعر أشرف الخضرى حول هذا المقطع لا أملك سوى الاستشهاد به فقال : (
هذا مقطع شعرى واحد فقط من قصيدة الشاعر العظيم هلال الفارع
وانا هنا اقف لادعو للتوقف فقط امام مقطع واحد فقط يوازى او يعادل بيتين اثنين من الشعر العمودى

فى شكله القديم..وكما ان مئة الف شاعر دخلوا تاريخ الشعر الى الابد ببيت من الشعر او بيتين

فاننى ساعتبر ان هلال الفارع لم يصلنا من شعره سوى هذا المقطع..لذا اتوقف هنا امامه لارى ماذا يحمل

هذا المقطع من الابداع شعرا وتخييلا وحكمة وقوة بناء وقوة تأثير ووعيًا حادًا وتأثرًا رهيبًا وتأثيرًا بالغًا

فى نفس المتلقى..
نتأمل هنا هذه المقدرة على التصوير والبناء وبين ايدينا كيمياء شعرية محكمة المعادلة تتولد دلالاتها

تباعا فى تسلسل يشبه الانشطار النووى تخرج من صورة صغيرة الى الاخرى لتلتحم الصور معا مشكلة صورة شعرية كبيرة تشير وتهمس وتحفر وتكشف وتعرى وتنير الطريق بوعى حاد يخلق من تلقاء ذاته وعيا اشد بهذه الحياة الخاصة وهذه المأساة..وعظمة الشعر هنا أنه رغم توجيه الشاعر رسالته الى المناضل

الفلسطينى خاصة لكن تجد الرسالة انسانية ومتسعة فحينما يقرأ هذا الشعر مقاتل فى اخر بقاع الدنيا فلن يتشكك ان النص موجه له هو وليس لمواطن سواه وهكذا اتسعت الرسالة لتمس كل حق سليب لكل انسان على الارض وهكذا تتخطى الرسالة حدود الوطن الخاص الى العالم لتصير لغة عالمية وشعرا انسانيا خالصا لكل البشر..
ونعود الى النص المقطع الصغير جدا الكبير جدا جدا

كُلُّ الدُّروبِ تَمُرُّ في عُنُقِ الزُّجاجَةِ واللَّهَبْ
قاتِلْ إِذًا..قاتِلْ
فَأَنْتَ المُرْتَقَبْ
واضْغَطْ خَلاياكَ العَظيمَةَ كي تَمُرَّ مِنَ الزُّجاجْ
هذا زَمانُ الإنْفِراجْ
هذا زَمانُكَ..
فاغْتَنِمْهُ بِكُلِّ أَشكالِ الإِثارَهْ
وارفَعْ حِصارَكَ،
ليسَ أَهلاً للحياةِ مَنِ ارْتَضى يَومًا حِصارَهْ
...
حينما نتتبع الاشارة الاولى
كل الدروب تمر عبر المذبحة ..بداية القصيدة..ثم يعود هنا ويقول

كل الدروب تمر من عنق الزجاجة..

التوقف امام المشهدين يعطى الكثير من الاشارات فى لغة قوية وايحائية وبناء لغوى محكم وبنية جميلة

المذبحة وهى تشير الى النهاية المحتمة وتعطى احساسا بالياس وتيقن الهلاك تتطور الصورة الشعرية وترقى

بسرعة ليتحول المشهد من المذبحة الى عنق الزجاجة وهنا يزرع الشاعر املا قويا فى النجاة لكن هذا الامل يتطلب اعجازا خارقا لكى يعبر عنق الزجاجة فكيف يشير الشاعر الى هذه الفرصة بالنجاة تأمل

واضْغَطْ خَلاياكَ العَظيمَةَ كي تَمُرَّ مِنَ الزُّجاجْ

هنا يتجدد الامل ويولد بعد تمام اليأس والشاعر يشير ببراعة الى كيفية التعامل مع الفرصة

داعيا متلقيه الى الوعى بكيفية الانعتاق من عنق الزجاجة عبر معجزة وهى اضغط خلاياك..

وتجد براعة ابداعية منقطعة النظير..فالمفردة ...العظيمة..التى جاءت صفة لخلاياك..تنزع من ذهن القارىء

التوهم بان الذات التى تعبر هنا ذات ضئيلة هشة يتيسر لها التلاشى والانفلات لانها لا شىء اصلا

..الشاعر يشير بقوة الى.. خلاياك العظيمة.. وهكذا تتضخم الصورة وتتسع الدلالة..فهنا صار الامر اصعب

وابعد تحققا ولكنه امل وامل حقيقى قابل للحياة..

وحين يشير الشاعر الى ان هذا ..زمان الانفراج... فهو يؤسس لوعى جديد وينشىء حلما خاصا يجب التعايش معه وتصديقه وهكذا يؤدى الشاعر رسالته..حيث أن رصاصة واحده تضىء الطريق

..وهو يرسخ لذلك بـ هذا....زمان الانفراج

وبسلاسة ودون ادعاء تجد الحكمة فى مفهومها الازلى تتسرب الى النص فى نعومة جميلة وقوة

ليسَ أَهلاً للحياةِ مَنِ ارْتَضى يَومًا حِصارَهْ )


اِرْفَعْ حِصارَكَ...
إِنَّنا سَنَحُجُّ هذا العامَ عندكَ،
كَيْ نُكَفِّرَ عنْ خَطايانا،
وَرِدَّتِنا المُعَارَهْ
سَنَحُجُّ هذا العامَ عندَكَ،
دَعْ لنا بعضَ الحِجارَهْ
كي لا يفوتَ حَجِيجَنا الرَّجْمُ المُقَدَّسُ والطَّهارَهْ!!
***
هذا زَمانُ الإِرْتِجاجْ
لكنَّهُ زَمَنُ الخُيولْ
قاتِلْ إِذًا.. وَدَعِ المَلامَ،
فَإِنَّهمْ مُسْتَغرِقونَ إِلى النَّواصي في الحُلولْ
لا يُقْعِدَنَّكَ عَنْ مُقارَعَةِ العِدا

يحدد الشاعر موقفه من اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات ، ويقول إن التغيير لن يكون إلا بيديك ايها المقاتل الشريف ، انت الذى ستحل كل شيء بيديك انت وليس بجلساتهم ومؤتمراتهم المستعارة ، فقط هم يقعدونك عن القتال والنضال ، موقف لابد ان نشير إليه وهو فى واقع المر يعضد قيمة المواطنة بمعناها الحقيقى ، ويعبر عن موقف ما بعيدا عن تلك المسميات السياسية من الشاعر فقط مع النضال ،لأن كل ما يفعلون ما هو إلا من تخطيط غربى ( غربى الطبول ) كلمة واحدة دالة وهامة وعميقة تدل على الموقف الغربى ودوره فى لعبة القضايا العربية ( لخبطة ) بالفعل فهو :
عُرسٌ يُخَبِّئُ في ثَناياهُ الرَّدى
مُتَاَمْرِكُ اللَّمَساتِ غربيُّ الطُّبولْ
قاتِلْ..
فشمسُ اللاجئينَ على بِداياتِ الأُفولْ

الشاعر يستنهض الثوار من الشعب فى لغة ولا أروع ، هامسا فى أذنه بكلمة بسيطة وموحية وليس لها تبديل ، فشمس اللاجئين ، إنها شمس نعم هى شمس تظهر للعيان ، لكن بالغفلة تذهب ويجن الليل عليها فلا مجال أيها الثوار للغفلة ، واتركوا الذهول خلف ظهوركم فلا مجال له اليوم ، إما قضاؤك وإما قضاؤهم .... تخير ... ليس أمامك اختيار
وَدَعِ الذُّهولْ
هذا زَمانُ الإِرتِجاجْ
هذا قَضاءُ الرَّافِضينَ الصَّامِدينَ اليومَ
في غُرَفِ المَساجْ
هذا قَضاؤُكَ.. كُنْهُ،
ليسَ أَمامَكَ اليومَ اخْتِيارْ
همْ قاتِلوكَ.. ونحنُ أَيضًا قاتِلوكَ
أَلَسْتَ تَفْهَمُ،

ما أروعك أخي الشاعر وأنت تقول هذه الكلمة التى تهز بها كيان المخاطب " ألست تفهم " وكأنك تمسكه من لحيته او من كتفه وتهزه بشدة لينتبه ، تفهمه أن الموت قادم لا محالة بأيدى العدو او بايدى الخانعين الصامتين ملاك جباه الصمت
ذا زَمانُ الانتحار؟!
قاتِلْ.. ولا تَسْتَجْدِ خَيْلَ الصَّامِتينَ،
فَكُلُّهُمْ أَبناءُ عارْ
وَارْبَأْ بِنَفْسِكَ عَنْ مُداهَنَةِ الصِّغارْ
كذبَ الَّذينَ تَقَوَّلوا:
والدَّهْرُ إِنْ عاداكَ يومًا.. كُنْ مَعَهْ!
رائع أيها الشاعر أن نخالف تلك الأمثلة التى جلبها الاستعمار معه وروج لها "المتنعجون" هؤلاء ... فلا تهادن الدهر أبدا إن كان ظالما لك ، بل أرق مضجعه
كُنْ ضِدَّ هذا الدَّهْرَ، واقْضُضْ مَضْجَعَهْ
يا سيدي،
يا مَنْ أَثَرْتَ الزَّوْبَعَهْ
يا مَنْ كَشَفْتَ لنا الجهاتِ الأَربَعَهْ
يا مَنْ أَضَأْتَ لنا السِّراجْ:
هذا زَمانُ الإرتِجاجْ
عَبَثًا تُفَتِّشُ بينَ أَفخاذِ القطيعِ..
فَكُلُّهُ أَبَدًا نِعاجْ!!
***
كُلُّ الدُّروبِ تَمُرُّ نحوَ النَّصْرِ في ذاتِ المَمَرْ
قاتِلْ إِذًا.. قاتِلْ،
فَأَنتَ المُنتَظَرْ
النَّصرُ لاحَ فلا تَقِفْ..
أَيْنَ المَفَرْ؟!
فأَمامَكَ الأَعداءُ قَدْ شَهَروا الحِرابْ
ووراءَكَ الأعداءُ قد شَحَذُوا لِظَهرِكَ
كُلَّ سِكِّينٍ ونابْ
وعلى الجَوانِبِ ألفُ هولاكو
يقودونَ التَّتَرْ
قاتِلْ..
ولا يَغْرُرْكَ ما يَتَقَلَّبونَ،
ففي جُروحِكَ مِنْ تَقَلُّبِهِمْ عِبَرْ
واسْلَخْ ضِياءَكَ مِنْ لياليهِمْ،
فَذا ليلُ الخَدَرْ
وَدَعِ العِتابْ
سَيَجيءُ – مهما بالَغوا – يومُ الحِسابْ
سَيجيءُ ميعادُ الشَّرَرْ
إَِذ ذاكَ... يُمكِنُ أنْ تُفَكِّرَ
في الذَّهابِ لِمُؤْتَمَرْ!!

مجرد قراءة فى قصيدة غاية فى العمق والدلالة والنضال والثورة والجمال
جمال اللغة والشعر والفكر
تحياتى للشاعر الثائر هلال الفارع

عذرا لو كانت هناك اخطاء فى الكتابة

<!-- / message -->