ينزف عبد الصمد منفردا
(1)
منذ الاحتلال وعبد الصمد يجلس مستندا على عكازه أمام داره ، يكسوه الحزن ، ويظل شارداً سرعان ما يعود ناظراً لجدران بيته وإلى هدمته التى تحمل رائحة تلك الأيام التى تهيمن على حياته . نشرات (مونت كارلو – لندن ) هما شغله الشاغل .المارة ظنوه جُنَّ ، الأطفال حوله يتجاوبون معه ، يضحكون أحياناً ويحزنون أحايين أكثر ، يجدون فى حديثه مادة ثرية للشجن ، ويقرأ ون فى عينيه علاماته ، فيتسرب إلى قلوبهم الرقيقة الغضة .كانت نشرة المساء ، ولأول مرة ، تحمل أخباراً سيئةً للغاية ، رفع عكازه وطوح به جهة الراديو ، فأرداه أرضاً ، بينما ظل الراديو فى صريره وثرثرته .
(2)مازالت البرامج تثير جدلاً حول ماهية المصريين ، هل هم عرب أم أنهم فراعين ، أثار ذلك امتعاض عبد الصمد الذى مازال ممتنعا عن مخالطة الناس ، كاد أن يكسر التليفزيون كما فعل بالراديو ، لولا ذلك الرجل الذى دافع بقوة عن عروبة مصر مكتفيا بالبصق على صاحب القبعة التى يرتديها رجال شرق أسيا . فى الواقع ،فإن عبد الصمد يحمل أفكاراً رائعة فى هذا المجال ، ويؤمن بفكرة التلاشى للمسميات القبلية والقومية ، يؤمن بالعالم كوحدة واحدة لا تتجزأ .ها هم الأطفال يصرون على اختراق عزلته التى فرضها على نفسه ، متحلقين حوله ، وفى أيديهم عرائس وأحصنة الحلوى يداعبهم ، يمتزج معهم ، يصبحون نسيجاً متجانساً ، بينما هم كذلك .. تهيمن على الشاشة صور لأشلاء أطفال تتسرب الفرحة من الأعين ، ويخيم على المكان صرير الأخبار .
(3) كاد أن ينفجر غيظاً عندما رأى صور الأسرى ، يعذبون بهذه الوحشية ، دب بعكازه المدبب على الأرض ، وراح يغمغم متخلياً عن عزلته ، خارجاً للشارع . المارة ينظرون إليه بإشفاق ، يهمس بعضهم إلى بعض (عبد الصمد تأكد جنونه ) لم يهتم بتعليقاتهم ساروا من خلفه الأطفال يا رشيد إصحى وفوق العراق ها يموت مخنوقيا أمريكا شيكا بيكا راح نمحيكى بأستيكةوظل عبد الصمد على حالته حتى اختنقت الشمس من الغيظ ، متوارية خلف البيوت .
(4)
صاح عبد الصمد ، الشمس غير الشمس والليل غير الليل ، وأقسم على أن كل شئ قد تغير ، حتى العكاز الذى يستند إليه ، أصبح لا يستطيع تحمله ، ضربه السوس ، فأصبح هيكلاً خاوياً مع أول استفادة شديدة عليه ، يتهاوى ، ويتهاوى معه .الجميع يشاهدون ، فقط مجرد كلمات تذهب مع الريح هى ردود أفعالهم . الإحساس بالعجز تملك عبد الصمد ، والصور تتواتر على عينيه ، الأمور تسير من سئ إلى أسوأ، التليفزيون لا يزال مصراً على العرض والثرثرة ، اللون الأحمر تملك من وجه الشاشة ، أمسك عكازه المتهالك وطوح به جهة الشاشة ، فبعثر فى الهواء كالدقيق قبل أن يصل إليها . التليفزيون مازال مستمراً ، وعبد الصمد هناك فى أقصى ركن الحجرة ، متقوقعاً على نفسه ، بينما ظل الأولاد حوله يلعبون عسكر وحرامية .
كتبها محمود الديدامونى في 10:55 مساءً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: محمود الديدامونى
