تقنيات السرد فى
" زمن نجوى وهدان ، واسمه المستحيل "

تحاول الدراسة استجلاء التقنية السردية فى رواية " زمن نجوى وهدان " للقاص مجدى جعفر ، وكذا رواية " واسمه المستحيل " للقاص محمود الديدامونى .
والسرد فى أبسط تعريفاته هو تدفق الأحداث بتتابع زمنى يحمل أيديوليجية تبرز وجهة نظر السارد .
بيد أن النظريات الأدبية المحلية والمستوردة وضعت النقد الأدبى فى طريق مسدود ، مما جعل النقد الأدبى العربى كلاَّ على غيره من الآداب الأجنبية التى أسبقت كثيراً منه ، وأنكرته بعد ذلك .
وتطور الأمر عند أصحاب المدرسة البنيوية الذين اعتبروا النص منفصلاً عن صاحبه وعن مجتمعه وله ذاتية خاصة به ، وقال بعض منهم بعد ذلك بموت المؤلف .
وخالف جيرار جنيت المنظرين السابقين للرواية فى كتابه " خطاب الحكى " وفرق بين زمن الخطاب وزمن القصة ، وبين الاستباقات والاسترجاعات باعتبارهما تقنية سردية يعتمدها المؤلف وغيَّر مصطلح الرؤية وزاوية الرؤية ، معتمداً مصطلحاً جديداً أسماه " التبئير . وأهمل الشكليون والبنيويون دور النص الاجتماعى ، ولذا وجد أصحاب المدرسة التوليدية / التكوينية ضالتهم فى ربط النص بالمجتمع باعتباره نسقاً اجتماعياً متداخل فى النسق الاجتماعى العام ، وبعبارة أخرى أن النص الروائى ينبع من المجتمع ويعود إليه مرة أخرى ."
تلك النظريات النقدية تمثل مشهداً عاماً للرؤية النقدية للرواية فى العصر الحديث بالضافة إلى نظريات التواصل والقراءة والتلقى وغيرها مثل أصحاب اللسانية الذين اعتبروا الرواية نسق لسانى يرتبط باللغة شفاهية وقراءة .
وعند تطبيق هذه النظريات على الرواية العربية الجديدة فى مصر خاصة ، سوف تفقد سيطرتها التطبيقية ، حيث نجد الكاتب المصرى قد تحرر كثيراً من قيود التنظير ، وأصبح بإمكانه اختراع النص الروائى بفضاء وشخصيات وأحداث مقبولة فكرياً ، باعتبارها فناً أدبياً له وضوحه فى العقل ، من خلال واقع أدبى جديد ، دون أن يكون واقعاً مجتمعياً معاشاً وينطبق ذلك على هاتين الروايتين موضوع الدراسة ، فالفضاء الروائى فى رواية " زمن نجوى وهدان " للروائى مجدى جعفر تبدأ بالمقابر وتتطور بالشقة الفاخرة وتصل إلى "الفيلا " الا أن هذا التطور يحمل فى داخله انحدار للمثل ، واندحار داخل الشخصيات ، وهى نفس الفكرة تقريباً عند محمود الديدامونى فى رواية " واسمه المستحيل " .
فالمقابر دار الأموات ، هى المؤثر الأول فى الحياة الاجتماعية فى الروايتين ، مما يشى أن المجتمع المصرى يسيطر عليه الفكر الأخروى كثيراً ، وكذا الشخصيات المعذبة ، والمظلومة ، فالموت ، والعذاب والظلم ، كلها مضامن للحياة فى النصين .
وتثير الروايتين عدة أسئلة ، أولها : ماحاجة القارئ / المتلقى لهذا النوع من الحكى والقص ... والتساؤل بعبارة أخرى ، ما احتياجات القارئ العربى من النص الروائى ؟ .
والتساؤل الثانى ، هل هاذان النصان أو أحدهما يمكن أن يكون ديواناً للمرحلة الآتية فى مصر أو الوطن العربى ؟ .. وهذا السؤال بصيغته الاجتماعية هو . هل مصر والوطن العربى حياتهم إما فى القصور أو القبور؟ وهذه الصياغة اجتماعية إلى حد بعيد ، وإذا كان هذا هو الحال ؟ هل لازال دور الأديب كما رآه الواقعيون الملتزمون بطابع سياسى ـ أن يراقب عجلة المجتمع ، ويضع يده على مواضع الداء ، دون التدخل المباشر أو غير المباشر .
إن هذه التساؤلات وغيرها فى صور مختلفة تجعل جل اهتمامى فى قيمة الأدب والأديب فى المجتمع ، حيث أن دور الأديب أصبح يتقلص يوماً بعد يوم ، حتى فى المجتمعات الأدبية نفسها ، ويرجع هذا الضياع الأدبى الى التفوق السياسى والتكنولجى على الساحة الاجتماعية ، بجانب ضياع الرؤية المتنامية عند الأدباء فى مصر والوطن العربى ، حيث لم يعد الأدب هو الموجه للفكر والثقافة , والمطور للعلوم سواء كانت الاجتماعية أو المعملية .
ومن وجهة نظر شخصية للغاية ، يبدو أن النص الروائى " زمن نجوى وهدان " للقاص مجدى جعفر أقرب النصوص للواقع الأدبى والاجتماعى ، والايهام بحدوثه ، واحتمالات وقوعه جعله أشد التصاقاً بالواقعين ، فالشخصيات الروائية مرئية ، ومرسومة باتقان شديد ، وهى تحيا حياة طبيعية ذات علاقات منفصلة / متصلة بالمجتمع ، فنجوى متصلة بالمجتمع المثقف ، والاتصال على مستويين ، مستوى فكرى ، وهو مستوى لايعول عليه السرد كثيراً ، ومستوى اجتماعى ، وهو خروج على القوانين والأعراف ، ومنفصلة عن طبقتها الاجتماعية بل هو هروب من هذه الطبقة ، إلا أن طقوسها جميعاً مرتبطة بها ، فالرذيلة والجنس يتعلقان بالمقابر ، ولم تعد المرأة كياناً نبيلاً ، بل أصبحت جسداً يحمل الرذائل ، فى صورة كاذبة من الفضائل . ( يحكى أن أمى كانت تأتى آخر الليل عندما تعود من العمل فى الغيطان أو فى دور الموسرين ، تجدنى قد دخلت مقبراً مفتوحاً لا، وغلبنى النعاس ونمت فيه ، وكان أبى كفيفاً ، حفظ فى طفولته بعض سور القرآن كانت كفيلة بأن يوكل إليه الرجل الثرى الذى بنى المسجد باقامة الصلاة على وقتها ، والصلاة على الميت والقراءة عليه نظير أجر وحراسة المقابر ) [1]
أما الواقع الآخر ( كانت قد منحت الخدم إجازة ، بعد أن أنهو أعمال النظافة بالفيلا ، وإعداد الطعام وأخذت حملماً ، وتأنقت وتعطرت وجلست تنتظره ) [2]
فالشخصية ترتبط بالأماكن بعلاقات الاتصال والانفصال ،. وكذا علاقتها بالناقد الكبير ، فهى تريد شهرة ، وهو يريد المال ، وتفشل العلاقة الجنسية بينهما ، ويتفقان على بقاء الوضع على ماهو عليه .
وقد يستخدم الحوار لابراز جوانب استبطان للشخصية ، وتأتى أهمية الحوارات فى النص الروائى ـ بشكل خاصة فلى رواية " نجوى وهدان " مرتبطة بفكر الشخصية ، مما يجعلها حوارات روائية ، وليست حوارات عرض ، بل هى حوارات إخبار ، على أساس أن العرض خاص بالحوار المسرحى .
( يزيح الستارة التى تفصل غرفة المكتب عن الغرفة الأخرى ، ويدعوها لتناول معه مشروباً .
هو واضعاً يده على بطنه :
: أنا مدين لك بهذا العشاء الفاخر والشهى ، امتلأت بطنى عن آخرها وكأنى لم آكل من قبل !
هى : بالهناء والشفاء
مخرجاً زجاجة خمرة من الثلاجة
هو : أتتناولين معى كأساً ؟
هى : لالا بأس . قليل منه يشفى ) [3]
فالحوار أقرب إلى الحوار السينمائى ، ولذا لا أرى ضرورة ، للكتابة مسرواية على هذا النص ، بل هو نص روائى ، أقرب إلى التصوير منه إلى العرض .
وتمثل الرواية وصفاً لواقع اجتماعى لفئة اجتماعية معينة ، وهذه الفئة تمثل التسلق ، والانتقال من طبقة إلى طبقة ، وأصبحت الشخصية . لا تصلح للقيام بعملها فى الطبقة السابقة ، أو الحالية .
حينما ننظر إلى حاجة القاريء فيمكن تحديدها من خلال الروايتين فى :-
أ ) الحاجة إلى الفهم : - ويقصد هنا بالفهم وضوح النص للقاريء ، بحيث يحدث فيه أثرا أو آثارا ، وهو يخالف الوضوح العقيم ، الذى يبنى جميعه على المسلمات دون الخوض فى تطوير الفكر واستحداث الرؤى ، بل يكون فهما مشعا ومتنوعا ويمكن استبداله بمقولة " إدراك النص " .
وينطبق ذلك على رواية " زمن نجوى وهدان " ولا ينطبق على رواية " واسمه المستحيل " ، حيث يعتمد السارد فى الرواية على أكثر من ضمير وهذا ليس عيبا ، بقدر ما هى تقنية رمزية ، حيث يوجد أكثر من سارد فى الرواية ، فالرمز يشكل غموضا كبيرا فى الرواية ، إلا أن هذا الغموض ليس مبررا ، فلا شك أن للكاتب الحق في أن يقول ما يريد ، بشرط أن يقنعانا بما يقول .
فالشخصية فى الرواية ليست لها ملامح جسدية ، بل كل الملامح نفسية .
والغريب أن الإفراط فى تصوير المكان وحركة الشخصيات وتداخل السرد والوصف وغلبة الوصف على السرد ، جعل الأحداث أكثر ثباتا وميلا إلى التوقف ، وكذا الخروج من استرجاع إلى استرجاع سابق يجعل الأحداث أكثر ضبابية ( لم تكن هذه هى المرة الوحيدة التى بدا فيها موقف الشيخ هكذا .. يبدو أنه لا يريد إلا طريق النور من البداية للنهاية .. هكذا تبددت ظلمة فكرى ..
ورحت أتذكر ما حدث لفريد ، عندما تزوج من فتحية .. بارك زواجهما الشيخ رغم معارضة أهل فريد لذلك ..
يومها كان فريد قد داعب العشرين عاما ، تشع من وجهه النضارة ، ويسكن قلبه الشباب ، .. كان أميرا فى طلعته .. وديعا فى طلته ، أديبا فى حديثه .. وكانت فتحية أرملة .. مات عنها زوجها وهى فى أوج فتنتها وجمالها .. قالوا بأنها السبب فى موته [4]
هذه السطور القليلة تبين مدى غوص السارد فى الماضى ، فكلما أراد أن يخرج من ماض دخل فى ماض سابق له ، مما جعل الحكي يغوص فى الماضي أكثر ، وهكذا تتوقف الأحداث ، لفترات طويلة فى القصة ليحل محلها الوصف ، أو الاسترجاع ،
والنقطة الثانية (ب) ـ العدل مع الأحداث والشخصيات ، ويقصد بالعدل هنا رسم الشخصية على ماهى عليه دون أن يلوى عنقها ، فيكون السارد سواء كان ساردا علمياً ، أو يصف من الخارج يحيا داخل الشخصية ليسمع تفكيرها ، ويصف داخلها دون التدخل المباشر منه . والنقطة الثالثة : ضرورة هذا القص للمجتمع ، حيث إن النظريات الأدبية فى مجملهل حاولت فصل الأدب عن دوره التوجيهى والتعليمى والتربوى ، وهو ما حدث فى الروايتين بدعوى أن دور الكاتب يتوقف على وصف الحال والمقال دون التدخل ولو بإشارات لفك الرموز النصية والاجتماعية ، رغم طواعية اللغة عند محمود الديدامونى فى روايته " واسمه المستحيل " إلا أنه يستخدمها الاستخدام الشاعرى المرتبط بسيناريو السينما الرومانسية ، وهو فى جميع الأحوال يحاول السيطرة على المتلقى من خلال وصف الإنفعالات فمثلاً ( الموكب المهيب ، المتشحات بالسواد خلف النعش يسرى فى وجوم ، أصدقاء الشيخ وأولاده يئن الطريق من دهس أقدامهم المتواصل والمتلاحم سرنا كذلك حتى وصلنا الى المسجد الذى يؤمنا فيه الشيخ : احتشد الناس داخله ، وأضعاف أضعافه ينتظرون خارخه مشهد لم أر مثله فى حياتى ، حتى عندما مات كبير قريتنا لم يكن مثل هذا الحشد ويومها ظل أبى يتفاخر بأن مشهده لم تشهده الناحية كلها وكأنه كان من بقية أهله . يبدوا أن الشيخة سعاد كانت طيبة كما تزعم زوجتى .. يتحرك النعش ونتحرك معه .. أتجنب النتوءات التى تملأ الشارع ناظراً الى موضع قدمى ..
يسرع المشيعون ، يهرولون ، يتوقف الموكب .. الحالة غير ثابته ، يصيح أحدهم : وحدوه .. ) [5]
فاللغة متماوجة ترتفع وتنخفض مع الأحداث والوصف وتحاول التأثير على عواطف المتلقى ، ويمكن وصفها ببعض المعقولية .
والسارد مشغول باستمرار بحدثين هامين هما الموت والزواج باعتبارهما متناقضين ، فالزواج بمن تحب عكس الموت ، وارادة المجتمع فى تفريق المتألفين إنما هى قوة تساعد الموت ضد الحياة ، والتفريق شر يساعد العقم ضد الإنجاب ويتضح فكر السارد طبقاً للرؤية الواقعية فى بعض المواقع من الرواية ، إلا أن الميل للصوت الرومانسى المرتفع يتغلب كذلك على اللغة . ( أيتها الأرواح الطيبة .. إن دورنا الأساسى هو طرد الأرواح الشريرة . فلا مكان لها بيننا .. كل ما تستطيع عمله هو ألا ينغص أحد علينا سكينتنا ولا يمارس علينا سلطه .. فكلنا سواء .. ألا نستطيع نسيان قانون الحياة ؟ فليس لأحد هنا سيادة على الأخر ، هنا الميزان من نوع أخر ، هنا العدل .. وفى أى مكان يرتجى غير ذلك لقيام العدل فيه ؟ ) [6]
وختاماً : فقد نسجت الروايتان واقعاً مخترعاً قابلاً للحدوث ، اللغة مقننة فيه " زمن نجوى وهدان " ، وفضفاضة تميل للشاعرية والرومانسية فى " واسمه المستحيل " .
الشخصيات تفر من مواقعها ، معترضة على مواقعها ، حتى وإن بدى أمام الناس واقعاً مشرقاً ، إلا أن الرغبة فى الإنفصال قائمة ، والشخصيات ناصعة فكرياً إلا أنها باهته جسدياً ، وهذا هام فى السرد والوصف الذى يعتمد السيناريو السينمائى تقنيه فى السرد .
رمضان الحضرى
كتبها محمود الديدامونى في 10:34 مساءً ::
الاسم: محمود الديدامونى
